لم أكن أظن أن المطبخ يمكن أن يتحوّل إلى خصمٍ عنيد، ولا أن ساعات اليوم يمكن أن تتبخّر بين يديّ وأنا واقفة أمام الموقد، أعدّ، وأقلب، وأنتظر، في أول يوم من رمضان العام الماضي، وقفتُ في مطبخي قبل آذان الظهر بقليل، وقلت بثقة: “اليوم أريد إفطاراً يليق بأول يوم… وكل شيء سيكون تحت السيطرة”، إليكم كيف سرقتُ الوقت من المطبخ في رمضان… دون أن أشعر بالذنب، اسمي دينا من السعودية، وأنا ربة بيت.
دبي – لينا الحوراني
-
بالكاد أستمتع بالجلسة!
بدأ الأمر بسيطاً، وعبارة عن غسل الأرز، وتقطيع الخضار، وإخراج الدجاج من الفريزر، لكن فجأة وجدت الساعة تشير إلى العصر، والأرض مليئة بقشور البصل، والهاتف يرنّ بلا جواب، وأنا أشعر أنني دخلت سباقاً لا أعرف متى بدأ ولا كيف أنهيه، عند الإفطار، كان الطعام جاهزاً، نعم، لكنني كنت متعبة، متوترة، بالكاد أستمتع بالجلسة، وفي داخلي سؤال مزعج يهمس: هل هذا هو رمضان الذي أريده؟ وهكذا أمضيت اليوم الثاني.
-
لحظة الاعتراف
في اليوم الثالث، جلست بعد الإفطار وحدي، لم أفتح الهاتف، لم أرتّب الصحون فوراً، فقط جلست أفكر، أدركت أمراً بسيطاً لكنه صادم: أنا لا أُرهق من كثرة الطبخ… بل من طريقة تفكيري في الطبخ، كنت أتعامل مع كل يوم وكأنه مشروع مستقل، كل يوم أبدأ من الصفر، كل يوم أكرر نفس الأخطاء، كل يوم أظن أن “التحضير المسبق” رفاهية لا وقت لها، في تلك الليلة، قررت أن أجرّب شيئاً مختلفاً، ليس نظاماً صارماً… بل عقلية جديدة.
اكتشفي: نصائح غريبة تساعد في الطبخ ولكن مجربة
-
السر الأول: توقفت عن سؤال “ماذا أطبخ اليوم؟”
هذا السؤال وحده كان يسرق مني وقتاً لا أشعر به، وقوفاً طويلاً أمام الثلاجة، وتفكير متردد، تغيير قرار بعد قرار.
فقررت أن أطرح سؤالاً آخر: “ما الذي أريده هذا الأسبوع؟”، فجلست بورقة وقلم، لم أكتب وصفات معقّدة، كتبت عناوين فقط:
- يوم دجاج
- يوم أرز
- يوم شوربة خفيفة
- يوم أكلات جاهزة من التفريز
اكتشفت أن التخطيط لم يأخذ مني أكثر من 20 دقيقة، لكنه أنقذني من ساعات ضائعة طوال الأسبوع.
-
السر الثاني: المطبخ ليس مكاناً للارتجال في رمضان
كنت أفتخر دائماً بأنني “أطبخ على البركة”، لكن في رمضان، البركة تحتاج إلى نظام، بدأت أجهّز الخضار ليومين أو ثلاثة دفعة واحدة، لا أقطّع كل يوم، ولا أغسل كل يوم، في صباح هادئ، قطّعت البصل كله، قسّمته في علب صغيرة.
فعلت الشيء نفسه مع الطماطم، الكوسا، الجزر، وفي اليوم التالي، دخلت المطبخ، ووجدت نفسي أطبخ خلال نصف الوقت المعتاد، هنا ابتسمت لأول مرة، نتائج هذا السر جيدة.
-
السر الثالث: الفريزر صديقتي… لا عدوي
كنت أخاف من التفريز، أشعر أنه يقلّل من “قيمة” الطبخ، لكنني كنت مخطئة، وبدأت أفرّز الطعام بعقلانية:
- نصف كمية الصلصات
- جزء من الشوربة
- عجينة سمبوسة جاهزة
- دجاج متبّل
لم أفرّز كل شيء، فرّزت ما يستهلك وقتاً طويلاً، وفي أحد الأيام، عدت متعبة، فتحت الفريزر، أخرجت وجبة جاهزة، وأدركت أنني ربحت ساعة كاملة… دون أن أخسر الطعم أو الروح.
اكتشفي: كيف أجعل الأكل لذيذاً بإضافة واحدة؟
-
السر الرابع: ليس كل يوم وليمة
هذه كانت أصعب حقيقة أواجهها، كنت أظن أن الإفطار يجب أن يكون متكاملاً يومياً، عدة أطباق، وتنويع مبالغ فيه.
لكنني لاحظت شيئاً غريباً: نفس الأطباق تُعاد، ونفس الكمية تُترك، فقررت أن أجرّب “التخفيف الذكي”، طبق رئيسي واحد، شوربة أو سلطة، ومقبلات خفيفة بالتناوب. والنتيجة كانت راحة نفسية، وقتاً إضافياً، واستمتاعاً حقيقياً بالإفطار.
-
السر الخامس: التوقيت هو كل شيء
كنت أطبخ في وقت خاطئ، أبدأ متأخرة، أستعجل، أتوتر، لذلك غيّرت التوقيت فقط، بدأت الطبخ الأساسي بعد الظهر مباشرة، وتركت اللمسات الأخيرة قبل الإفطار، هذا التغيير وحده جعلني أستقبل الآذان بهدوء، وأجلس على المائدة دون شعور بالسباق.
-
السر السادس: توقفت عن مقارنة نفسي بغيري
كنت أرى صور الموائد الفخمة، وأشعر بالتقصير، لكنني سألت نفسي بصدق: هل أريد صورة جميلة؟ أم رمضاناً هادئاً؟.
اخترت الهدوء، واكتشفت أن الوقت الذي وفّرته عاد إليّ على شكل جلسات عائلية، وقراءة، ودعاء من دون عجلة.
التحوّل الحقيقي كان بعد أسبوعين، لاحظت أن المطبخ لم يعد يسيطر على يومي، وصرت أدخله بثقة، أعرف ماذا سأفعل.
وكم سيأخذ من وقتي، لم أعد أخرج منه منهكة، بل أشعر أنني أديره… لا يديرني، والأجمل أنني أدركت أن توفير الوقت في رمضان ليس حيلة سريعة… بل احترام لنفسي، وطاقتي، وروح الشهر.
الأسرار التي غيّرت كل شيء
تعلّمت أن:
- التخطيط ليس عبئاً.
- التفريز ليس تقصيراً.
- البساطة ليست فشلاً.
- والوقت كنز لا يُعوَّض.
واليوم، عندما أسأل نفسي: “كيف مرّ رمضان في السنة الماضية؟”، أبتسم وأقول: مرّ بهدوء… لأنني أخيراً عرفت كيف أُمسك بالوقت، قبل أن يهرب من مطبخي. ورمضان القادم، أنا مستعدة له بكل هدوء، وبكل صبر وعزيمة سأستقبله بهذه السمة.



أضف تعليق